هل التقلب بين المعصية ثم التوبة نفاق ؟

هل التقلب بين المعصية ثم التوبة نفاق ؟

هل التقلب بين المعصية ثم التوبة نفاق ؟

هل المسلم الذي يُطيع الله ثم يخطئ ثم يتوب ويتقلب بين الطاعة والمعصية مُنافق وذو وجهين كما يُقال ؟ وهل حقا يجب على المسلم أن يلتزم طريقا واحدا فإما الطاعة الخالية من الزلات والذنوب إلى الممات وإما العصيان الدائم الذي لا توبة بعده حتى الممات ليوصف بأنه صريح ومباشر وغير منافق ؟

1 - الإستقامة أولا تكون في باب الإعتقاد (تصديق خبر الله)

أ - كل مسلم عليه

توحيد الله في ربوبيته وألوهيته ومعرفة صفات الله وأسماءه الحسنى الصحيحة 
الإيمان ومراتبه وحالاته ، القضاء والقدر ، الإرادة الكونية والشرعية  ، الغيب
- تصديق خبر الله وتعلّم العقيدة الصحيحة

ب - لتحصين النفس من

- الشرك ، الكفر ، الإلحاد ، التطرف والغلو ، التهاون والإرجاء ، البدع والخرافات وعلى كل مناَّ أن يُمتِّن عقيدته ويصححها وينقيها من كل الشوائب والإعتقادات الباطلة 

2 - الإستقامة تكون ثانيا في باب التنفيذ (تنفيذ أمر الله)

- كل مسلم عليه تنفيذ أمر الله وإجتناب نواهيه

- إعلم أخي المسلم أن كل واحد منَّا لو قام الليل وصام النهار وعبد الله طول حياته فلن يُوفّي الله حقّه ولن يشكره على نعمه حق الشكر أبدا ولو إجتهد وأنه ليس شرطا أن تكون صالحا عابدا تقيا نقيا لتنصح الآخرين المُقصِّرِينَ في حق الله ! ولو كنت عاصيا فاسقا جَازَ لك أن تنصح عاصيا آخر بشرط أن لا تفضحه عند الناس وأن تحاول الإقلاع عن الذنب الذي تفعله أنت أيضا

- والناصح في الغالب لا يدّعي الكمال أو التنزه عن الذنوب ولكن شفقةً وحرصا منه على إخوانه وأهله وأصدقائه وأقربائه فيُحاول الإصلاح ما إستطاع وأن يكون سببا في هدايتهم

- ولو كان الصلاحُ والتقوى التام شرطا لنصح الآخرين لما نصح أحدٌ الناس بعد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام

- وعليه فينبغي الإنتباه إلى أن المسلم في هذه الحياة يتقلب بين حالتين الطاعة والمعصية وهما يتفاوتان في الشِدَّة والدرجة من شخص لآخر

- ولا يعني كون المسلمِ على إستقامةٍ وإلتزامٍ وعبادةٍ وتقوىَ لسنوات أنه لم يُخطئ أو لا يخطئ أو لن يخطئ بل هو بشر مثل باقي الناس يُصيب ويُخطئ وإن أصاب فأجره على الله ووجب علينا تشجيعه وتحفيزه , وإن أخطئ وجب علينا ستره وتقويمه ونصحه وتذكيره بالله لأن فيه خيرا بداخله لن يزول وعقيدة سليمة لن تتبدل , لذا إن أخطئ المسلم المُستقيم على شرع الله لا ينبغي فضحه أو وصفه بالمنافق أو المكبوت المُعقّد ! لا

- كما أن المظهر الإسلامي من لحية وتقصير للرجال وحجاب وستر للنساء بريء من تصرفات ونتائج أفعال المسلم فلا ينبغي أن نخلط بين الأشياء

مثال

- شارب الخمر على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام أو عهد الخلفاء الراشدين من بعده رضي الله عنهم هل كان حالقا للحيته أم مُلتحيا ؟ بلا شك كان ملتحيا ! وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام يُقيمون الحدود عليه ويجلدونه زجرا له وتعنيفا له ليتوب ولم يلُم واحد فيهم اللحية أو يقل عنه منافق !

- الزاني والسارق مثلا أيضا كانوا ملتحين في ذلك الزمان ولم تكن اللحية هي السبب !

- الزانية والسارقة أيضا لم يكن الحجاب هو السبب !

- وجل هذه المعاصي من الكبائر والمحرمات فاعلها ليس بكافر بل مسلم عاصي أو فاسق ولا يُخلَّدُ في النَّار بل يُعذب في النار بقدر معصيته ثم يدخل الجنة بإذن الله بإستثناء المُشرك بالله من عُبّاد القبور ومن يدعون الموتى من الصالحين ليتوسطوا لهم عند الله ! 

- في زمننا هذا تهاون الكثير من المسلمين وحلقوا اللحية وأسبلوا ثيابهم وتركوا الصلاة وإنشغلوا بالشهوات فأصبح الملتحي المُنفِّذ لأمر النبي عليه الصلاة والسلام المُمتثل لشرع الله ما إستطاع هو المُنافق والمُخطئ والمتشدد ! وكلما أخطئ عاب الناس على اللحية ووصفوها بأبشع الأوصاف ويُخوفون الناس من سُنّة نبيهم

مثال

- لو لم يحترم سائق السيارة الإشارة الحمراء وتجاوزها هل يقوم الشرطي بلوم الإشارة الحمراء وقانون المرور أم بلوم السائق وتحرير مخالفة له لعقابه ؟ الجواب واضح 

- إذا فمن الأفضل ؟ الذي يبقى طول حياته على معصيته ولا يأبه للحلال والحرام ولا للحساب والعذاب ولايتوب ويرجع لله ولو يوما واحدا أمْ من يعصي الله خطأ أو ضُعفا أمام الشهوات والنزوات وليس بتعمد ولا إصرار ولكن يتمنى الهداية والتوبة النصوح ويتوب مرة ويذنب مرة ويُجاهد نفسه فيسقط ثم ينهض ويُواصل المسير إلى الله وهو قد خلط عملا صالحا وآخر سيئا ويتقلب في حياته بين الطاعة والذنب لكن لا يملُّ التوبة ولا يقنط من رحمة الله ويعلم أن الله غفور رحيم وفي نفس الوقت شديد العقاب

- أعتقد أن كل عاقل سيختار الخيار الثاني ! لأن الأول صحائفه وكتابه مملوء بالمعاصي وهو على خطر عظيم إن مات ولم يستغفر الله والثاني كتابه خليط بين الطاعة والمعصية وإن مات على الطاعة أو إستغفر الله من ذنوبه كل مرة وألح على الله بالمغفرة في حياته لغفر له وأدخله الجنة بلاعذاب لما يجد منه من صدق نية وعزيمة قوية وحب للطاعة وكره للمعصية وإن كان يفعلها 

- كما أن المسلم العاصي إذا تاب ثم عاد مرة أخرى لذنبه ثم تاب ثم أعاد الكرة مرات عديدة لا ينبغي أن يُوصف بالمُنافق أيضا لأنه على الأقل يُحاول الإلتزام ويُجاهد نفسه ما إستطاع فيفشل أحيانا وينتصر أحيانا أخرى والأهم هو أن يعتقد الإنسان بالله الخير وأن يعلم الحرام والحلال وأن لا يجعل ما يفعله من ذنب حلالا أو مُباحا لمجرد أنه يحبه أو يفعله فهذا هو الخطر العظيم 

- فالمسلم مثلا إن كان مُبتلى ومدمنا للخمور وواقعا في شَرَكِها لا ينبغي له أن يستحلها ويقول أنها جائزة ليُبعد عن نفسه تأنيب الضمير ! بل عليه أن يُقرَّ بأنها حرام وعقابها شديد عند الله وأنه على ضلال وعلى خطر عظيم ثم يُحاول مُجاهدة نفسه والإقلاع عن شُربها وإتخاذ الأسباب لتركها ولو فشل ثم عاد ثم فشل ثم عاد مرات عديدة لا ينبغي له أن ييأس أو يستسلم بل أن يُواصل ويسأل الله التوفيق والهداية وحُسن الخاتمة

- وكذلك شارب الدخان ومُتعاطي المخدرات والزاني والسارق والنمام والمُغتاب والراشي والمُرتشي والمُرابي والمُقامر .. إلخ من أنواع المعاصي والذنوب

- لقد أخبر الله نبيه عليه الصلاة والسلام في حديث قُدسي أن البشر لو لم يُخطؤوا ثم يتوبوا ما خلقهم أصلا ! بل لو لم يُخطؤوا ثم يتوبوا لأماتهم الله وأتى بقوم آخرين يُخطؤون ثم يستغفرون 

- كما أمرنا النبي محمد عليه الصلاة والسلام أن نُسدِّدَ ونُقارب في أمورنا كلها وأن نتقي الله ما إستطعنا لأن كلا منا مُيسَّرٌ لما خُلق له وأخبر أحد أصحابه حين سأله عن سبب نُقصان الإيمان أحيانا أن هذه الدنيا ساعة بساعة ولو أننا إلتزمنا ولم نُخطئ البتة لصافحتنا الملائكة في الطرقات والأسواق 

- إعلم أن الذنب ليس عيبا في حد ذاته بل العيب هو الإصرار عليه وإستحلاله وعدم  الرجوع عنه وعدم التوبة منه والتائب من الذنب كمن لا ذنب له وإعلم إن النفاق هو إظهار الإسلام والتقوى والورع وإبطان الكُفر والشرك والحقد على الدين وليس كما يعتقد البعض أنه الإذناب ثم التوبة

- في الأخير نود التنبيه لنقاط مهمة :

- هذا المقال لا يُرخِّص للذنوب والمعاصي أو يُجرِّءُ المسلمين عليها ولا يحُثُ عليها بل ما كُتب هو بنية زرع الأمل في نفوس العُصاة والمذنبين وحثِّهم على عدم اليأس أو القنوط من رحمة الله ومغفرته ولتوضيح ما إختلط على الناس من عدم تفريق بين النفاق والعِصيان ومجاهدة النفس والتوبة وما شابهها من مفاهيم قريبة منها والله أعلى وأعلم

جديد قسم : دين

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2019 ل الباحث