المسّ ج4 | العلاج الشامل المُتكامل

المسّ ج4 | العلاج الشامل المُتكامل



إنتشر اليوم في عالمنا الإسلامي ما يسمى بتوهم الإصابة بالأمراض الروحية فلا تكاد تجد مسلما إلا ويعتقد أن مسحور أو به عين أو حسد أو أنه ممسوس !

ونظرا لقلة رصيدنا من العلم الشرعي اليوم دخلنا في متاهات لا نهاية لها، فالبعض أصبح يحاول تبرير فشله أو أخطاءه بمثل هذه الأمور والبعض الآخر ألغى الجوانب النفسية التي أسس لها علم النفس المعاصر ونسب كل ما يحصل من مشاكل للسحر والعين والمس وآخرون أصبح لديهم هوس بهذه المواضيع وآخرون أصيبوا بتوهم ووسواس قهري نتيجة هذه التساؤلات  

وحتى نضع كل شيئ في مكانه حاولنا بإختصار شديد الإحاطة بجوانب هذه الموضوع من خلال الإجابات على هذه الأسئلة وغيرها دفعة واحدة وإعتمدنا في هذا على ما جاء في القرآن والصحيح من سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحاولنا بقدر الإمكان تفادي الإجتهادات والتجارب الشخصية لكي لا نُعقد الأمر أكثر مما أصبح عليه

- المُحتوى :

- التوحيد الخالص
- تقوى الله
- القرآن وحده يكفي 
- الأدعية النبوية التي صحَّت عن النبي عليه الصلاة والسلام
- الأعشاب التي صحَّ عن النبي أنه كان يأمر بتناولها لفائدتها
- نصائح وتوجيهات مهمّة

هذا هو أهم جانب على المريض السؤال عنه ولا شك أنكم قرئتم عشرات المقالات بل المئات كلها تتحدث حول طرق علاج المس وأكثرها يتحدث عن الأعشاب والزيوت الطيارة والحارقة والخلطات القاتلة للجن ! وغيرها من الأمور التي لم ينزل الله بها من سلطان وأغلبها ليس عليه دليل شرعي نقلي صحيح بل مجرد إجتهادات وأكثرها خاطئة 

- حسنا ! دع كل ذلك وراءك الآن وركِّز في خلاصة برنامج العلاج التي رتبناها وِفق ما فهمناه من كلام العلماء الكبار وقصص الكثيرين وتجاربهم ومما فتح الله به علينا

تنبيه ! إحرص على أن لا تطلب الرُقية من غيرك لتكون من "السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب" ولكي تتعلق الله و تتجنب التعلق بالأسباب من شيوخٍ ورقاةٍ ولأن رقيتك نفسك بنفسك فيها كمال التوكل على الله وقوة الإيمان والصبر

1 - التوحيد الخالص

أعلم أن الكثيرين سيقولون كيف يكون التوحيد هو العلاج الأول ونحن أصلا مُوحِّدون بالفطرة ونقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ؟

والجواب داخل السؤال نفسه فنحن موحدون لله بالفطرة وعليه فأغلبنا لم يُكلِّف نفسه عناء البحث والقراءة والتعمق أكثر في التوحيد لأننا وجدناه على طبق من ذهب بحكم أن آبائنا وأجدادنا أغلبهم مسلمون وموحِدون ولكن هل نحن نعلم الكثير عن توحيد الله ؟ 

في الغالب "لا" فلو كان المسلم المُصاب مُوحِّدا لله على أكمل وجه ما تجرَّأَ أن يُؤذيه أي جنِّي أو شيطان ! لأن هؤلاء مهما كانوا أقوياء وعُتاةً وظلمة لن يصمدوا دقيقة واحدة في جسد مسلم مؤمن موحِّدٍ حق التوحيد ولو تكلمنا عن التوحيد في هذا المقام ما إتسع لذلك لذا لقراءة المزيد عن التوحيد وأقسامه ونواقضه فعليكم بهذه الكتب القيِّمة

وبإختصار التوحيد سيعلمك أن الله وحده هو صاحب الأمر وأنه القوي الحكيم ولا ندَّ له وأنه ما إبتلاك بهذا المس إلا لحكمة يعلمها هو وقد يكشف لك بعضها مع الوقت وأن من تلك الحِكم أن هذا الإبتلاء سيجعلك تتفطن لأخطاءك السابقة وتحاول عدم الوقوع فيها وأن المس لم يتسلط عليك إلا لأنك قصَّرت في حق الله وظلمت نفسك بتركك للصلاة أو إهمالك لتحصين نفسك بالأذكار والمعوذات أو لأنك أسرفت في المعاصي والذنوب

وستتعلم أيضا أن المسّ ليس هو صاحب قرار البقاء أو الخروج بل الله سبحانه وأن المس زائل خارج بإذن الله لا محالة .. إلخ وهذا مما ستتعلمه بعد دراستك للعقيدة والتي ستستغرق منك ربما بضع شهور أو أسابيع على الأقل

والأهم من دراستها هو أنك ستعيش التوحيد بعد ذلك يوما بعد يوم وستجد نفسك بعد أن كنت تسخط على الله بسبب أنه إبتلاك بهذا المسّ ستشكره لأنك سترى الأمر من زاوية أنه يُحبك وأراد أن يرُدك إليه وإلى طريقه وأنه أراد أن يعلمك أشياءا عظيمة لن تتعلمها إلا بهذا الألم والمعاناة والذَيْنِ سُرعان ما سيزولان ويأتي الفرج والفرح بالشفاء والنصر

2 - تقوى الله

أي الإبتعاد عن المعاصي قدر المستطاع وفعل الطاعات والخير وهذا واضح لائِحٌ لا يحتاج شرحا مُعمقا وتفصيلا مُفصلاََّ

3 - القرآن وحده يكفي 

لا يُشترط معه علاج آخر لوقوع الشفاء بإذن الله ولعل الكثيرين سيندهشون من هذا أيضا ! وسيسألون عن الأدعية النبوية والأعشاب وإجتهادات العلماء والرُقاة وتجارب المُصابين السابقين ..

وهذا كله مُباح وجائز التداوي به ولكن لو إقتصرنا على القرآن وحده بإعتباره كلام الله سبحانه لكان أفضل وأشد تثبيتا وإيمانا فبركة قراءة القرآن عظيمة وتٌأثر في المس أيَّما تأثير وتُنهِك قِواه وتُهلكه بإذن الله وفي الوقت نفسه القرآن جلاء للهموم وذهاب للأحزان ويزيد من ثبات المرء وتعلقه بربه يوما بعد يوم


قال إبن القيم "القرآن سلاح، قوته بقوة راميه" لذا بعض الناس يقرأ ولا ينتفع المريض، فكلما ازداد الإنسان تقوى وهدى وعلماً وخوفاً من الله فالمرجو أن يقع النفع، والأمر من قبل ومن بعد بيد الله عز وجل وقد لخص أيضا كل ما قلناه فيقول "علاج هذا النوع يكون بأمرين أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج 

الذي من جهة المصروع : يكون بقوة نفسه، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين : أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًا، فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل ، فكيف إذا عدم الأمران جميعًا ؟ ويكون القلب خرابًا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه، ولا سلاح له ؟

الذي من جهة المُعالج : بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا ، حتى أن من المعالجين من يكتفي بقوله : "اخرج منه" أو يقول : "بسم الله" أو يقول : "لا حول ولا قوة إلا بالله" والنبي عليه الصلاو السلام كان يقول : "اخرج عدو الله أنا رسول الله" وشاهدت شيخنا - يقصد إبن تيمية - يُرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه، ويقول قال لك الشيخ : "اخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسه، وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب، فيفيق المصروع ولا يحس بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا .. إلى أن قال : وبالجملة فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه وربما كان عريانًا فيؤثر فيه هذا"

ب - كيفية التداوي بالقرآن

- إذا كنت مُصابا فإقرأ على نفسك بنفسك فذلك دلالة على توكلك على الله
- إقرأ بتأنٍّ وخشوع وحضور قلب وتدبُّر في آيات الله
- إقرأ على نفسك حزبين يوميا على الأقل

- لا تجعل هدفك من قراءة القرآن يقتصر على طلب الشفاء فقط بل تجاوز ذلك للتقرب من الله والتعلق به ولا تنسى دوما "الهدف من إبتلاءك بالمس رجوعك لله" قبل كل شيئ وطلب رضاه فإن رضي عنك شَفَاكَ وحَمَاكَ من كل سوء

- الرقية لا تكون بسماع القرآن من المُسَجِّل أو بالسماعات (1)

- النفث في الماء عند القراءة لشربه أوالإغتسال به ليس من فعل النبي عليه الصلاة والسلام بل من إجتهاد بعض الرقاة والأوْلَى الإكتِفاء بسنَّةِ النبي (2)

4 - الأدعية النبوية التي صحَّت عن النبي عليه الصلاة والسلام

الأوْلى الإكتفاء بالقرآن وحده في العلاج (3) لكن يجوز التداوي بالأدعية النبوية الصحيحة الثابتة من باب كمال التداوي والشفاء والبركة وليس من باب أصل التداوي ف "القرآن هو الأصل"

الدعاء الأول : عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل :

"باسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات - أعوذ بالله و قدرته من شر ما أجد و أحاذر" (4)

الدعاء الثاني : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يرقي فيقول :

"إمسح البأس ربَّ الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت" (5)

الدعاء الثالث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال - يا رسول الله ! ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، قال أما لو قلت، حين أمسيت :

"أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرُك" قال وفي رواية أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رجل يا رسول الله ! لدغتني عقرب - بمثل حديث بن وهب (6)

الدعاء الرابع : قال النبي عليه الصلاة والسلام : أتاني جبريل، فقال يا محمد ! قل : قلت : وما أقول ؟ قال قُل :

"أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما ذرأ و برأ و من شر ما ينزل من السماء و من شر ما يعرج فيها و من شر ما ذرأ في الأرض و برأ و من شر ما يخرج منها و من شر فتن الليل و النهار و من شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن" (7)

5 - الأعشاب التي صحَّ عن النبي أنه تحدث عن فائدتها

هذه الأعشاب والأطعمة لم يثبت أنه كان يأمر بها للرقية خصيصا لكن كان يُوصي بها لعموم فائدتها والله أعلم

- زيت الزيتون : قال النبي عليه الصلاة والسلام "كُلوا الزَّيت و إدَّهنُوا به، فإنه من شجرة مباركة" (8)

- الحبة السوداء : قال النبي عليه الصلاة والسلام "في الحبة السوداء شفاء من كل داء، إلا السَّام" (9)

- العسل : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال - أخي يشتكي بطنه، فقال : 

"إسقه عسلا، ثم أتاه الثانية فقال - إسقه عسلا، ثم أتاه الثالثة فقال - إسقه عسلا، ثم أتاه فقال - قد فعلت ؟ فقال : صدق الله و كذب بطن أخيك، إسقه عسلا، فسقاه فبرأ" (10)

- التَمْر : قال النبي عليه الصلاة والسلام "من تصبَّح كل يوم سبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سمٌ و لا سِحْر" (11)

6 - نصائح وتوجيهات مهمّة

مع هذا البرنامج العلاجي المتكامل عليك أن تلتزم ببعض الأمور لدفع المس للخروج من خلال التضييق عليه وجعله ييأس من المكوث داخل الجسد ومواصلة أذيته من خلال

- معرفة أن الفِرقة الناجية هُم أهل السُنَّةِ والجماعة المُتبعين لمنهاج السلف الصالح
- التفَقُهُ في الدين والسماع للعلماء الكبار والحرص على إصابة السُنَّة لتحصيل البركة
- الحِرص على الصلاة في الجماعة بالمسجد لأنها واجبة
- الحرص على الرواتب والإكثار من النوافل
- صوم التطوع كأيام الإثنين والخميس
- الحرص على أذكار الصباح والمساء ودخول الخلاء والخُروج منه
- لا تنسى ذكر إسم الله عند البدء في أي أمر
- الحرص على أذكار النوم والنوم باكرا على وضوء وعلى الشق الأيمن
- الحرص على النوم مع الجماعة أو الإخوة لكراهة النوم منفردا
- نفض الفراش وترتيبه بعد الإستيقاظ والحرص على نظافة الغرفة والبيت
- البقاء على طهارة وإن أمكن فعلى وُضوء من غير وسواس والتطيب بالمِسك
- التفاؤل والتبسُّم وترك الوساوس والحرص على تنظيم الوقت ومُجالسة الصالحين
- الإبتعاد قدر الإمكان عن المعاصي ومُحفزاتها فقد تجلب البلاء أو تمنع الشفاء أوتأخره
- غض البصر عن النساء والإبتعاد عن المواقع الإباحية والأفلام والمسلسلات ..

هذا العلاج يُمكن أن يكون نافعا ل "العين والسحر" أيضا

بل حتى للأمراض النفسية والجسدية بشرط التوكل على الله وفعله على سبيل اليقين لا التجربة وهذا لا يعني أننا نُلغي الجانب العلمي للطب النفسي والجسدي ولكن من باب أننا مسلمون نتوكل على الله سبحانه ونتبِّعُ رسوله عليه الصلاة والسلام والعلم عند الله تعالى وهو الحكيم

في الختام نسأل الله الشفاء لكل مسلم ممسوس أو مبتلى بأي مرض والله أعلى وأعلم

- المصادر :


(1) لقاء الباب المفتوح، العُثيمين، ج2/280، اللقاء 34، سؤال 986
(1) الألباني، الشريط 616، أشرطة الهدى والنور، سؤال 7، الدقيقة 31
(2) موقع الشيخ ربيع المدخلي، رابط الفتوى
(3) فتوى للعلامة الألباني
(4) رواه : نافع بن جُبير | المُحدِث : مسلم | صحيح مسلم | 2202 | صحيح
(5) رواه : عائشة  | المُحدِث : البخاري | صحيح البخاري | 5744 | صحيح
(6) رواه : أبو هريرة | المُحدِث : مسلم | صحيح مسلم 2709 | صحيح
(7) رواه : عبد الرحمن بن خنبش | المُحدِث : الألباني | صحيح الجامع | 74 | صحيح
(8) رواه : عمر بن الخطاب | المُحدِث : الألباني | صحيح الترمذي | 1851 | صحيح
(9) رواه : أبو هريرة | المُحدِث : البخاري المصدر | صحيح البخاري 5688 صحيح
(10) رواه : أبو سعيد الخدري المُحدِث : البخاري صحيح البخاري 5684 صحيح
(11) رواه : سعد بن أبي وقَّاص المُحدِث : البخاري صحيح البخاري 5445 | صحيح

جديد قسم : دين

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2019 ل الباحث