المسّ ج2 | الدليل على وُجوده وعلى دخوله لجسد الإنسيّ، أعراضه، نقاط ضُعفه وقوّته



إنتشر اليوم في عالمنا الإسلامي ما يسمى بتوهم الإصابة بالأمراض الروحية فلا تكاد تجد مسلما إلا ويعتقد أن مسحور أو به عين أو حسد أو أنه ممسوس !

ونظرا لقلة رصيدنا من العلم الشرعي اليوم دخلنا في متاهات لا نهاية لها، فالبعض أصبح يحاول تبرير فشله أو أخطاءه بمثل هذه الأمور والبعض الآخر ألغى الجوانب النفسية التي أسس لها علم النفس المعاصر ونسب كل ما يحصل من مشاكل للسحر والعين والمس وآخرون أصبح لديهم هوس بهذه المواضيع وآخرون أصيبوا بتوهم ووسواس قهري نتيجة هذه التساؤلات  

وحتى نضع كل شيئ في مكانه حاولنا بإختصار شديد الإحاطة بجوانب هذه الموضوع من خلال الإجابات على هذه الأسئلة وغيرها دفعة واحدة وإعتمدنا في هذا على ما جاء في القرآن والصحيح من سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحاولنا بقدر الإمكان تفادي الإجتهادات والتجارب الشخصية لكي لا نُعقد الأمر أكثر مما أصبح عليه

- المُحتوى :

- الدليل على وجود المسّ من القرآن والسُنَّة وعلى دخوله لجسد الإنسي
- أعراض المسّ
- نقاط قوة المس ونقاط ضعفه

1 - الدليل على وجود المسّ من القرآن والسُنَّة وعلى دخوله لجسد الإنسي

قد دلت الأدلة الصحيحة من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة على جواز دخول الجني بالإنسي وصرعه إياه ومن ثم فلا يصح التعويل على القصص والحكايات في إنكار ذلك ومن أنكر ذلك فهو يقلد بعض أهل البدع المخالفين لأهل السنة والجماعة 

أ - من القُرآن :

قول الله [‏الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ] البقرة / 275

يقول إبن كثير في تفسيرها "لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له‏"‏‏

قال الطبري في تفسيرها "يتخبَّله الشيطان في الدنيا وهو الذي يخنقه فيصرعه "من المس" يعني - من الجنون"

قال القرطبي فيها "في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس"

ب - من السُنَّةِ النبوية الصحيحة :

رُوِي "أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أتَتْهُ صَفِيَّةُ بنْتُ حُيَيٍّ فَلَمَّا رَجَعَتِ انْطَلَقَ معهَا، فَمَرَّ به رَجُلَانِ مِنَ الأنْصَارِ فَدَعَاهُمَا، فَقالَ : إنَّما هي صَفِيَّةُ، قالَا : سُبْحَانَ اللَّهِ، قالَ : إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ" (1)

وحديث عثمان بن العاص لما قال "لما استعملَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على الطائفِ جعل يعرضُ لي شيئًا في صلاتي حتى ما أدري ما أُصلِّي فلما رأيتُ ذلك رحلتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ" فقال "ابنُ العاصِ قلتُ نعم يا رسولَ اللهِ قال ما جاء بك قلتُ يا رسولَ اللهِ عرضَ لي شيءٌ في صلاتي حتى ما أدري ما أُصلِّي قال ذاك شيطانٌ ادْنُه فدنوتُ منه فجلستُ على صدورِ قدَميَّ قال فضرب صدري بيدهِ وتفل في فَمي وقال اخرج عدوَّ اللهِ ففعل ذلك ثلاثَ مراتٍ ثم قال الحقْ بعملِكَ" وفي رواية بصحيح إبن ماجة زيادة "قال : فقالَ عُثمان : فلعمري ما أحسَبُهُ خالطني بعدُ" (2)

وحديثُ الصبيِّ الذي جاءت به أمُّه إلى النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وهو يُصرَعُ فقال الرسولُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ للجنِّ الذي فيه "أُخرجْ عدوَّ اللهِ فإني رسولُ اللهِ ، فخرج الجنِّيُّ من هذا الصبيِّ فلما رجع عليهِ الصلاةُ والسلامُ من غزوتِه وكان قد قال لأمِّه : أخبريني عن شأنِه ، وجد أمَّه قد أعدَّت للنبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ شاةً وسمنًا وأقِطًّا وأخبرته أن ولدَها شُفِيَ ولم يعدْ إليه ذلك الجنِّيُّ" (3)

ت - من أقوال أئمة وعلماء السّلف المُتقدمين والمتأخرين :

قال الأشعري "‏إنهم - أي أهل السُنَّة يقولون :‏ إن الجني يدخل في بدن المصروع‏"‏‏ (4)

قال إبن تيمية "ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي ، وأبي بكر الرازي وغيرهما دخول الجن في بدن المصروع ، ولم ينكروا وجود الجن ، إذ لم يكن ظهور هذا في المنقول عن الرسول كظهور هذا ، وإن كانوا مخطئين في ذلك ؛ ولهذا ذكر الأشعري في مقالات أهل السنة والجماعة : أنهم يقولون أن الجني يدخل في بدن المصروع ، كما قال تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل : قلت لأبي : إن قومًا يزعمون أن الجني لا يدخل في بدن الإنسي ، فقال : يا بني ، يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه" (5)

وقال أيضًا رحمه الله "وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها ، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة ، قال الله [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ] وفي الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام "أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (6)

قال إبن القيِّم "الصرع صرعان : صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية ، وصرع من الأخلاط الرديئة ، والثاني : هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه وأما صرع الأرواح : فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه ، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة فتدافع آثارها ، وتعارض أفعالها وتبطلها ، وقد نص على ذلك بُقراط في بعض كتبه ، فذكر بعض علاج الصرع وقال : هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة ، وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة ، فأولئك ينكرون صرع الأرواح ، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع ، وليس معهم إلا الجهل ، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك ، والحس والوجود شاهد به ، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها .. إلى أن قال : وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط ووحده ، ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم" (7)

قال العثيمين "فأنت ترى أن في هذه المسألة دليلاً من القرآن الكريم ودليلين من السنة ، وأنه قول أهل السنة والجماعة وقول أئمة السلف ، والواقع يشهد به ، ومع هذا لا ننكر أن يكون للجنون سبب آخر من توتر الأعصاب وإختلال المخ وغير ذلك‏" (8)

2 - أعراض المسّ

كثيرة جدا وتتداخل مع أعراض العين أو السحر أحيانا وتتفاوت من شخص لآخر حسب درجة إيمان المُصاب وإستِقامته بشرع الله فأحيانا تكون شديدة وتظهر وأحيانا تكون خفيفة لا يكاد المُصاب يشعر بها إلا أحيانا وأحيانا يُعاني من أعراض المس بدون علمه وتختلف أعراض كل نوع من المس لكن الأعراض المشتركة بينهم يُمكن تلخيصها كالآتي :

أ - الأعراض النفسية

- القلق والتوتر والخوف الشديد مع توقُّعُ الأسوأ :

يُقنع المسّ المُصاب بأن شيئا سيئا ما سيحدث فيُدخله في دائرة القلق أو يقوم بتضخيم حدث سيئ وقع حتى يجعل منه جبلا ومثال تخويفه أن يجعله يخاف من أشياء معينة في البداية وإنتهاءا بجعله يخاف من كل شيئ وهنا يعمل المسّ على إضعاف شخصية المريض من خلال الإيحاء له أنه حقا ضعيف وأقل من الآخرين لدرجة أن المريض تتلاشى ثقته بنفسه شيئا فشيئا حتى يدخل في دائرة مفرغة ومغلقة من الشعور بالدونية

- كثرة البكاء لسبب ودون سبب :

يدفع المسّ المريض لتذكر حوادث سيئة وقعت له وخيبات أملٍ ثم يُزيِّنُ له التحسُّر بشكل هوسي ومستمر حتى يُوصله لمرحلة التلذذ بجلد ذاته والبكاء على ما فاته وما ضيعّهُ ثم يُصوِّر له أن حياته هذه بائسة وأنه مظلوم فيدفعه للإنتحار للتخلص من معاناته أما البكاء بدون سبب فهذا قد يكون علامة على ضُعف المسّ وإنهياره بسبب العلاج المُكثف ودلالة على قربه خروجه أو موته

- الوسوسة القهرية :

مثلا يقوم المسّ بالإيحاء للمريض أن الآخرين يكرهونه ويُحاولون المكر به أو يجعله يشك في نفسه ويرتاب من كل شيئ مع مرور الوقت حتى يصل المريض لمرحلة يُصدِّقُ فيها أن كل هذا حقيقي وصحيح مع أنها في الحقيقة مجرد وساوس ويأتيه أحيانا من باب وسواس الطهارة أو يحاول جاهدا جعله شارد الذهن طوال اليوم حتى لا يخشع في صلاته أو يتفاعل مع محيطه فترى الممسوس غالبا عابس الوجه حزينا لا يكاد يضحك أو يبتسم إلا بصعوبة

- الشتات الذهني وكثرة النسيان :

يحرص المس على إبقاء المريض مُشتتا بين عدة أمور لكي لا يُنظم أموره ولا يعلم مالذي يفعله بالتحديد ولكي لا يُحدد أهدافه والتي ربما يكون من بينها بدء برنامج علاجي للقضاء عليه مستقبلا ويُساهم بدرجة كبيرة في جعله ينسى مواعيده وأولوياته وخاصة الأحداث السعيدة وبالمقابل يُذكره بالسيئة منها

- عدم الثبات على حالة واحدة والتقلب الدائم
- تقلب المزاج وسرعة الغضب
- الميل للوِحدة والإنعزال

ب - الأعراض الجسدية 

- الشعور بتنميل وحركات لاإرادية ووخز متنقل في الجسد
- عدم الحرص على نظافة البدن والمكان الذي يعيش فيه
- ضيقة في الصدر والنفس
- صداع متنقل في الرأس
- الإحتلام المتكرر
- الخمول والكسل
- توهُم الأمراض

ت - الأعراض المرتبطة بالنوم

- الكوابيس المتكررة في المنام
- الأرق

تنبيه ! ليس كل من شعر بهذه الأعراض فهو ممسوس بالضرورة فقد تكون هناك أسباب عُضوية أو نفسية بحتة ولا علاقة لها بالمس لذا فمن رأى أن فيه بعض هذه الأعراض فليكن صادقا مع نفسه أولا ولا يُحاول أن يدعي أنه ممسوس لحاجة في نفسه كأن يُحاول كسب تعاطف من حوله أو لتبرير فشلٍ ما ! أم إن حدث وتأكد بما لا يدع مجالا للشك أنه ممسوس حقا وهذا أمر صعب التأكد منه فليتوجه مباشرة للحل وهو بدء العلاج ولا يبقى مكتوف اليدين ويُسلِّم أمره ويستسلم أو يقنط من رحمة الله وشفاءه

3 - نقاط قوة المس ونقاط ضعفه

قبل أن نبدأ في الحديث عن العلاج لا بُدّ أن نعرف من نُحارب ولا شك أن كل مخلوق له نقاط قوة وضعف وأن الكمال لله وحده ونصف الإنتصار هو معرفة عدوك جيدا

أ - نقاط قوته

- إمكانية التحكم أو التأثير على بعض أعضاء الجسد ولو بشكل جزئي
- الإيحاء والوسوسة وتأثيره في نفسية المريض
- غير مرئي لا يُمكن رؤيته بالعين المجردة
- إمكانية الدخول لجسد الإنسي بإذن الله

ب - نقاط الضعف

- ليس له سلطان إلا على أولياءه أو من يخافونه أو من هم في غفلة عن طاعة الله
- أعلى درجات إذايته للإنسي الوسوسة فقط "قل لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا"
- التأثر والخوف الشديد من توبة المُصاب وإستقامته على الطريق الصحيح
- ليس له من الأمر شيئ فالأمر والحكم كله لله وحده
- التأثر الشديد أثناء وبعد دعاء المريض عليه
- التأثر الشديد بالقرآن

- المصادر :

(1) رواه : علي بن الحسين بن علي | المُحدِث : البخاري | صحيح البخاري | 7171 | صحيح
(2) رواه : عثمان بن العاص | المُحدِث : الألباني | السلسلة الصحيحة | 6 / 1001 | إسناده صحيح وفي صحيح بن ماجة "صحيح"
(3) المُحدِث : العُثيمين | الشرح الممتع | 14 / 427 | صحيح وأخرجه "أحمد" وغيره في مسنده في شأن المرأة وصبيها الممسوس من حديث بن عباس بسند حسن و"الطبراني" و"الدارمي" وغيرهم بأسانيد وطرق متعددة لا تخلو كلها عن مقال وأخرجه "التبريزي" في مِشكاته وقال صحيح لشواهده وأخرجه "أبو داود" أيضاً من حديث أم أبان و"البيهقي" فإذا فالحديث صحيح بمجموع طرقه وصححه "الألباني" في السلسلة الصحيحة وقال - أخرجه الحاكم عن يعلى بن مرة عن أبيه
(4) مقالات الإسلاميين، نقله عنه أيضا إبن تيمية
(5) إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين، مجموع الفتاوى، ج19، ص 9 ل 65
(6) مجموع الفتاوى، ج 24، ص 76 ل 277
(7) زاد المعاد في هدي خير العباد، ج4، ص 66 ل 69
(8) فتاوى علماء البلد الحرام / ص984

إنتشر اليوم في عالمنا الإسلامي ما يسمى بتوهم الإصابة بالأمراض الروحية فلا تكاد تجد مسلما إلا ويعتقد أن مسحور،

إرسال تعليق

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *