المسّ ج3 | مراحل الإصابة بالمسّ، مراحل الشفاء وعلامات قرب هلاك العارض



إنتشر اليوم في عالمنا الإسلامي ما يسمى بتوهم الإصابة بالأمراض الروحية فلا تكاد تجد مسلما إلا ويعتقد أن مسحور أو به عين أو حسد أو أنه ممسوس !

ونظرا لقلة رصيدنا من العلم الشرعي اليوم دخلنا في متاهات لا نهاية لها، فالبعض أصبح يحاول تبرير فشله أو أخطاءه بمثل هذه الأمور والبعض الآخر ألغى الجوانب النفسية التي أسس لها علم النفس المعاصر ونسب كل ما يحصل من مشاكل للسحر والعين والمس وآخرون أصبح لديهم هوس بهذه المواضيع وآخرون أصيبوا بتوهم ووسواس قهري نتيجة هذه التساؤلات  

وحتى نضع كل شيئ في مكانه حاولنا بإختصار شديد الإحاطة بجوانب هذه الموضوع من خلال الإجابات على هذه الأسئلة وغيرها دفعة واحدة وإعتمدنا في هذا على ما جاء في القرآن والصحيح من سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحاولنا بقدر الإمكان تفادي الإجتهادات والتجارب الشخصية لكي لا نُعقد الأمر أكثر مما أصبح عليه

- المُحتوى :

- مراحل الإصابة بالمسّ
- مراحل الشفاء منه

أ - مراحل الإصابة بالمس

تختلف من شخص لآخر وحسب نوع المسّ ولكنها تشترك في نقاط كثيرة يمكن تلخيصها كالآتي

1 - الترصد 

في هذه المرحلة يبدأ الجنِّي أو الشيطان بترصد حركات الإنسي (الضحية المُحتمل) للتحضير لعملية الدخول لجسده ثم إيذاءه وفي هذه المرحلة تتعدد الدوافع والأسباب كما ذكرنا آنفا في أنواع المس

2 - الغفلة

 في هذه المرحلة يكون المسلم للأسف مهملا للواجبات الشرعية خصوصا الصلاة والأذكار النبوية وفي الغالب يكون مُنكبّا على المعاصي والمحرمات بأنواعها

3 - الدخول

 بعد أن يتيقن المسّ أن هذا المسلم المُستهدف غير مُحصَّن يبدأ في عملية الدخول لجسده والتي تبقى كيفيتها غيبية لأنها غير مشاهدة لكنها حاصلة لا محالة

4 - الإستعلام

بعد الدخول للجسد يبدأ المسّ بالتعرف على نفسية المصاب وشخصيته وكل تفاصيل حياته ليُحدد نقاط قوته وضعفه ليستخدمها فيما بعد ضده إن فكر المريض في مقاومته وهنا يتدخل القرين المُلازم للإنسي وينقل عنه كل معلوماته للمس والله أعلم

5 - التحصُّن

يبدأ المسّ ببناء تحصيناته ودفاعاته من خلال طلاسم وعُقد غالبها مُرتبط بالسحر والشعوذة وبعضها يستمد قوته من درجة غفلة المصاب فكلما كان المصاب مُقصِّرا في جنب الله كلما تمكن المسّ من تعزيز وتحصين وجوده أكثر

6 - الأذى

تنقسم ل 3 أقسام وتتفاوت شدة الأذى من مُصاب لآخر حسب شخصيته ودرجة إيمانه

الأذى الخافت : هنا يُمارس المسّ نوعا من التحريض من خلال دفع المُصاب لإقتراف المعاصي وإهمال الواجبات الشرعية بشكل أكبر مما هو عليه فيُزيٍّن له الفواحش والظلم وكبائر الذنوب وصغائرها لضمان عدم توبة المُصاب يوما فذلك يعني هلاكه لا محالة

الأذى المتوسط : يكون الأذى هنا نفسيا من خلال دفع المُصاب للإكتئاب والإنطواء والوسوسة له بالإنتحار أو تعاطي المخدرات وغيرها مما يُحطم الإنسان بهدف السيطرة على نفسيته لجعله في خوف وقلق دائم لا يعلم مصدره وسببه للتلذذ بمعاناته وإنكساره

الأذى الشديد : هنا يكون الأذى جسديا ونفسيا وإجتماعيا فترى المُصاب يشتكي من أمراض أو آلام جسدية لا يجد تفسيرا طبيا لها وبالتزامن مع ذلك يُعاني من مشاكل نفسية متعددة في آن واحد وزيادة على ذلك يحرص المسّ على قطع علاقة المُصاب مع محيطه الأسري والعائلي وأصدقائه ومعارفه إلى أن يصل به لدرجة الإنعزال والوِحدة

ب - مراحل الشفاء وعلاماته

1 - الصحوة

أي بداية الإنفراج وخلاصة هذه المرحلة أن الله يُريد بعبده المُبتلى بالمسّ خيرا وشفاءا فيبدأ المُصاب بالإعتقاد أن كل ما يُصيبه غير طبيعي وأن هناك حلقةً ما مفقودة في مشاكله ومعاناته أو إقباله الشديد على المعاصي فيبدأ بالبحث عن تفسير لما يحدث معه فتراه يتقلب بين الأجوبة من دون أن يقف عند أحدها

2 - التقصّي

بعد مدة من التقصي والبحث عن تفسير لما يحدث معه من أشياء غريبة سواء يقظة أو مناما يبدأ المُصاب بالشك أنه ربما يكون مصابا بمرض روحي كالسحر أو العين أو المس فيُقبِلُ على قراءة عشرات المقالات التي تصِفُ أعراض هذه الأمراض إن كان مثقفا طبعا وهنا يتسلل اليقين لداخله أن بعض هذه الأعراض أو جلها يتوفر فيه

3 - الإكتشاف

في هذه المرحلة يلجأ المُصاب لراقٍ ما ويبدأ مرحلة الإستشفاء عنده وفي الغالب يُكتشفُ المسُّ بعد عِدّة جلسات من الرقية من خلال علامات أهمها كلامه مباشرة على لسان الإنسي المُصاب أو تخبُّطِه وصراخه

4 - الصدمة

بعد أن يكتشف المُصاب أنه ممسوس حقا يتسرب الخوف والذُعْرُ لقلبه في بادئ الأمر بإعتبار أنه لن يتقبل بسهولة فكرة أن هناك مخلوقا آخر داخله ويُؤَثِّرُ فيه بل ويُؤذيه وربما تدوم هذه الفترة لعدة أسابيع قبل أن يعتاد المريض الفكرة

5 - التضليل

بعد أن يعتاد المريض الفكرة ينتقل للأهم ألا وهو كيف يُمكن إخراج هذا المس ؟ فيبدأ بالتنقل بين الرُقاة وباعة الأعشاب والزيوت حتى يستقر على أحدهم

6 - المُدافعة الوهمية والتوبة المُزيّفة

هذه من أخطر المراحل لأن المسّ يبذل فيها قُصارى جهده لصرف المُصاب عن العلاج الحقيقي فتراه مثلا يقوم ببعض الحِيل التي تُوهم المريض أن هذا الراقي مُتمكِّن وممتاز ومن هذه الحيل أنك ترى المريض إذا ذهب عند راقٍ ما فاسِد العقيدة ضعيف العِلم أو مُبتدع يتأثّرُ بقرائته وببرنامجه العلاجي الذي يُمليه عليه وفي الحقيقة ذلك لا يعدُوا كونه مجرد خداع من المسّ للمُصاب والراقي معا فهو إنَّما يتصنَّعُ التأثُّر والتألُم من خلال الصُّراخِ والبكاء ليبقى المُصاب عند هذا الراقي الذي قد يعلم المس أنه ليس أهلا للرقية

7 - الشك

ربما بعد أسابيع وشهور من العلاج عند ذلك الراقي لا يظهر أي تقدُّم أو تحسُّن ملحوظ فيتسرب الشك لنفس المُصاب في الراقي والعلاجات التي يُداوم عليها وأحيانا يصل به الشك حتى بالقرآن والأدعية النبوية وأنهما ربما لا يُؤثران في المس وأن هذا المسَّ ربما يكون قويا ! وهذه كلها وساوس يَتسلَّطُ بها المس على المُصاب بل ربما ألْحَدَ أو شك بوجود الله أو قدرته أو حِكمته أو إعترض على أقداره ولو مؤقتا كردة فعل عنيفة على كل ما يحدث له من عدم توفيق وإبتلاء !


8 - الإحباط

هنا يشُك المُصاب بجميع من حوله ويبدأ بالإعتقاد أن أقرب الناس إليه خانوه وأنهم ربما لا يستحقون القرب منه وما إلى ذلك وهذا أيضا منشأه من وسوسة المسّ الذي من أبرز أهدافه عزل المريض دوما ليتمكن منه

9 - الإدراك

وتشكُّل البصيرة بعد كل ما مر به الممسوس من تجارب سيئة وفشل وإحباط يبدأ بتنظيم بأفكاره من جديد ومحاولة فهم ما يحدث له بتأنٍّ وموضوعية وهنا يأتي توفيق الله له إن أراد به خيرا وفجأة وبعد تراكمات عديدة يُدرك المُصاب أن كل ما يحدُثُ له هو إبتلاء من وراءه حِكَمٌ كثيرة وأن الله لا يُقدِّرُ أمورا عشوائية أبدا بل كل شيئ عنده بحكمة ودقة ومن بين الأمور التي يُدركها أكثر من أي وقت سابق هي أن الله يُريده أن يتوب عن معاصيه وأن يرجع إليه وأن ينكسر بين يديه بالدعاء والعبادة ليكشف ما به من ضر وليُحقق مُراد الله بهدايته وفوزه في الدنيا بالطاعة والعافية وفي الآخرة بالجنة

10 - التوبة الحقيقية

يرجع فيها المصاب لله سبحانه فيبتعد تدريجيا عن المعاصي والذنوب ويرتقي في عبادته شيئا فشيئا فتراه بدأ بالحفاظ على صلاة الجماعة في المسجد مثلا وأذكار الصباح والمساء وقبل النوم ودخول الخلاء والخروج منه لدرجة أن كلمة بسم الله لا تفارق شفتيه أينما حل وإرتحل ومهما فعل ثم يُقبل على العلم الشرعي الصحيح فتراه يُطالع كُتب العقيدة ليُقوِّي إيمانه بربه وليزداد خشية وحبا له ثم تراه يهتم بالفقه شيئا فشيئا ليُصيب سنة نبيه عليه الصلاة والسلام وليُحصِّل البركة والفلاح ثم تراه بعد كل هذا قارئا للقرآن كلام الله لا ينقطع عنه يوما لتكتمل توبته بالندم على خطاياه وذنوبه السابقة

11 - إيجاد العلاج الصحيح

بعد أن يتوب المصاب وتحْسُنَ توبته ويجدُ الله فيه صدقا وحُسن نية وإخلاصا يُوفقه للعلاج الصحيح فتتغير قناعاته ومعلوماته حول الرقية ثلاثمِئة وسِتين درجة دفعة واحدة فيُدرك بعدها أن العلاج ليس ما كان يسعى إليه سابقا وأن علاج المس أعمق من ذلك البرنامج العلاجي السطحي الذي فعله سابقا والمتمثل في التركيز على الراقي والأعشاب والزيوت والخلطات والرقية المسموعة والمكررة وما إلى ذلك بل يُدرك أنه البرنامج الذي يُركِّز على التوكِّل على الله وحده قبل كل شيئ ثم معرفة أن كلامه (القرآن) هو أعظمُ أسباب الشفاء وأنه يكفي وحده عن ما دونه من الأسباب الأخرى مهما كانت وأن أفضل الرقية أن يرقي المرء نفسه وأن لا يتبِّع تجارب الرُقاة وإجتهادات العلماء في هذا الباب وأن يكتفي بالقرآن وحده وإن أراد الزيادة على ذلك فمن باب كمال العلاج لا أصله فجاز له التداوي بأدعية النبي عليه الصلاة والسلام الصحيحة وهكذا حتى يُحيط بجُلِّ الرقية الشرعية البعيدة عن الدجل والجهل وأكل أموال الناس بالباطل

12 - المُدافعة الحقيقية

وهي عكس الأولى فهنا لا يبقى للمس حيل ولا مكر إلا التخويف والوعيد والوسوسة وعامل الوقت في هذه المرحلة حاسم جدا فالأطول نفسا والأكثر صبرا هو من ينتصر ولا شك أن الأفضلية تكون للمُصاب وهذه من أخطر المراحل على المسّ لأنه يُدرك أن أيامه باتت معدودة في جسد المريض وأن وجوده كله أصبح يعتمد على مدى إلتزام المُصاب ببرنامجه العلاجي الصحيح ويبدأ المس بالتلاشي يوما بعد يوم ويبدأ بردِّ الصّاع صاعين فيُصبح كالكلب المسعور الذي حُصر بزاوية ضيقة وتبدأ خياراته وحلوله بالتناقص يوما بعد يوم وبالتوازي يتعرض المُصاب لعدة مشاكل نفسية وجسدية عابرة تشتد من حين لآخر حسب قوة برنامجه وإيمانه والإيجابي في المسألة أن المُصاب أصبح يُدرك الآن أن هذا دلالة على ضعف المسّ فذلك الذي كان قبل سنوات أو شهور لا يُؤثر فيه شيئ أصبح اليوم مرعوبا محصورا في الجسد ينتظر هلاكه

13 - الفراغ

تتواصل في هذه المرحلة المدافعة بين المريض والمس لكن حِدّتها تتراجع شيئا ما بسبب قوة مقاومة المسّ وبسبب تقصير المُصاب في إلتزامه ببرنامجه العلاجي أحيانا فعندها يسود هدوء حذر من المسّ فتراه أصبح لا يعتدي على المريض في منامه بإزعاجه بالكوابيس المرعبة وتنقص حركته في الجسد بعد أن كانت واضحة على شكل نبضات متنقلة في مختلف الأعضاء وكأن المسّ يُريد أن يقول للمُصاب لنعقد صفقة ! "دعني وشأني وأوقف برنامجك العلاجي المُكثَّف الذي أرهقني ولن أوذيك مستقبلا" وعموما هذا الهدوء في الغالب يكون دلالة على أن المُصاب أصبح يُؤذي المسّ حقيقة بإذن الله وأن الأمور بدأت تنقلب لصالح المريض بتوفيق من الله له وبنصر له منه وهنا ما على المريض سِوى المواصلة وعدم الإلتفات لوساوس المسّ وحِيله

14 - الخروج أو الهلاك

في هذه المرحلة الأخيرة ينهار المسّ بشكل شبه كلِّي وتخور قِواه بإذن الله ويُدرك أن مصيره إمّا الهلاك والموت داخل جسد الإنسي أو الخروج بشكل نهائي وبالتوازي يبدأ المُصاب بإسترجاع نوع من طبيعته البشرية العادية وضِحكته الصادقة وإشراقة وجهه الغائبة ويشعُرُ وكأنّ جبالا بدأت بالتلاشي من على أكتافه وصدره ورأسه ويستمر هذا الشعور ويزداد يوما بعد يوم إلى أن يأذن الله بخروج المسّ أو هلاكه ويومئذ يفرحُ المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وبهذا تكون نعمة الله قد إكتملت فمن جهة عاد المُصاب لربه وتاب إليه ومن جهة يكون قد أنقذه من عذاب النار بعد أن إجتثَّهُ من براثن المعاصي والذنوب وهداه لسواء السبيل ومن جهة يكون قد رزقه الحِكمة والبصيرة ورؤية ما وراء الإبتلاءات والمصائب والأمور بشكل عام ومن جهة يكون قد عافاه جسديا ونفسيا من المسّ وطهّرهُ من رجسه

تنبيه ! هذه المراحل مجرد إجتهاد شخصي مُستنبط من تجارب كثيرين ممن أُصيبوا بالمس ثم شفاهم الله وكلامنا يحتمل الخطأ فهو ليس بحثا علميا أو كلاما لأحد العلماء لذا ربما يكون فيه من الحقيقة الكثير ومن الوهم أو الخطأ الكثير فنسأل الله أن ينفعنا بأحسنه وأن يتجاوز عنّا في أسوءه والله أعلى وأعلم

ربما يُمكن أن نُسقِط بعض هذه المراحل على العين والسحر وختاما نسأل الله الشفاء لكل مسلم مُبتلى بالمسّ او السِّحر أو العين

إنتشر اليوم في عالمنا الإسلامي ما يسمى بتوهم الإصابة بالأمراض الروحية فلا تكاد تجد مسلما إلا ويعتقد أن مسحور،

إرسال تعليق

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *